تفسير القرآن الكريم


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فهذا تفسير مختصر مأخوذ عن صفوة التفاسير للأستاذ محمد علي الصابوني، عمدنا فيه فقط إلى ذكر تفسير بعض الكلمات أو الآيات التي ليست بديهية المعنى أو التي يختلف تفسيرها عن ما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أو التي تتعلق بمناسبة ما أو موقف ما أو قوم معينين.


سورة البقرة

وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم{49}
[ويستحيون نساءكم] أي يستبقون الإناث على قيد الحياة للخدمة.
وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم{54}
[فاقتلوا أنفسكم] أي ليقتل البريء منكم المجرم.
قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون{71}
[ قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ] أي ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض، ولا لسقاية الزرع. (ليس من المناسب الوقوف على كلمة ذلول).
[ مسلمة لا شية فيها ] أي سليمة من العيوب، ليس فيها لون آخر يخالف لونها، فهي صفراء كلها.

وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين{93}
 [ وأشربوا في قلوبهم العجل ] أي خالط حبه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها.

واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولـكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون{102}
 [ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ] أي إن الملكين لا يعلمان أحدا من الناس السحر، حتى يبذلا له النصيحة، ويقولا : إن هذا الذي نصفه لك، إنما هو امتحان من الله وابتلاء، فلا تستعمله للإضرار ولا تكفر بسببه، فمن تعلمه ليدفع ضرره عن الناس فقد نجا، ومن تعلمه ليلحق ضرره بالناس، فقد هلك وضل.

يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم{104}
 [ راعنا ] من (المراعاة) وهي الإنظار والإمهال، وأصلها من الرعاية، وهي النظر في مصالح الإنسان، وقد حرفها اليهود فجعلوها كلمة مسبة، مشتقة من (الرعونة) وهي الحمق، ولذلك نهي عنها المؤمنون.

الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون{146}
 [ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ] أي يعرفون محمداً معرفة لا امتراء فيها، كما يعرف
الواحد منهم ولده، معرفة يقين.

ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون{149}
[ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ] أي من أي مكان خرجت إليه للسفر، فتوجه بوجهك في صلاتك جهة الكعبة، التكرار هنا لبيان تساوي حكم السفر والحضر.
ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون{150}
 [ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ] هذا أمر ثالث باستقبال الكعبة المشرفة ، وفائدة هذا التكرار أن القبلة كان أول ما نسخ من الأحكام الشرعية ، فدعت الحاجة إلى التكرار ، لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة.



يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم{178}
[ فمن عفى له من أخيه شيء ] أي فمن ترك له من دم أخيه المقتول شيء ، بأن ترك وليه القود، وأسقط القصاص، راضياً بقبول الدية [ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ] أي فعلى العافي اتباع للقاتل بالمعروف، بأن يطالبه بالدية بلا عنف ولا إرهاق ، وعلى القاتل أداء للدية إلى العافي -ولي المقتول– بلا مطل ولا بخس
[ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ] أي ما شرعته لكم من العفو إلى الدية، تخفيف من ربكم عليكم، ورحمة منه بكم، ففي الدية تخفيف على القاتل ونفع لأولياء القتيل، وقد جمع الإسلام في عقوبة القتل بين (العدل) و(الرحمة) فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول، إذا طالبوا به وذلك عدل، وشرع الدية إذا أسقطوا القصاص عن القاتل، وذلك رحمة [ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ] أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية، فله عذاب أليم في الآخرة.

ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون{179}
 [ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ] أي ولكم –يا أولي العقول– فيما شرعت من القصاص حياة وأي حياة!؟ لأن القاتل إذا علم أنه إذا قتل نفساً قتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله، وبذلك تصان الدماء وتحفظ حياة الناس [ لعلكم تتقون ] أي لعلكم تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه.

كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين{180}
قد كان هذا واجبا قبل نزول آية المواريث ، ثم نسخ بآية المواريث.

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون{183}
 أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون{184}
 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون{185}
روي عن الحسن أنه قال: إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود
والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر، وصامت يوما من السنة زعموا أنه يوم غرق الله فيه فرعون، وأما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد،
فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند ذلك نزيد فيه فزادوا عشرا، ثم بعد زمان
اشتكى ملكهم فنذر سبعا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوماً.

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون{186}
ظاهر نظم الجملة [ وإذا سألك عبادي عني ] أنهم سألوا عن الله ، والسؤال
لا يكون عن الذات ، وإنما يكون عن شأن من شؤونها فقوله في الجواب [ فإني قريب ] يدل على أنهم سألوا عن جهة القرب أو البعد، ولم يصدر الجواب بـ" قل " أو فقل كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى نحو [ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ] بل تولى جوابهم بنفسه ، إشعارا بفرط قربه تعالى منهم ، وحضوره مع كل سائل ، بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات.

وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين{195}
أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات، ولا تبخلوا في الإنفاق فيصيبكم الهلاك، ويتقوى عليكم الأعداء، وقيل معناه: لا تتركوا الجهاد في سبيل الله وتشتغلوا بالأموال والأولاد فتهلكوا.
روي أن رجلا من المسلمين حمل على جيش الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس: سبحان الله ألقى بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، حين أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فنزلت [وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وترك الجهاد في سبيل الله، فما زال أبو أيوب شاخصا – أي مجاهدا – في سبيل الله، حتى استشهد ودفن بأرض الروم.

وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين{190}
لا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال أو الجهاد إلا ويقرن بكلمة (سبيل الله)
وفي ذلك دلالة واضحة على أن الغاية من القتال ، غاية شريفة نبيلة هي (إعلاء كلمة الله)، لا السيطرة أو المغنم، أو الاستعلاء في الأرض أو غيرها من الغايات
الدنيئة.

يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولـكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون{189}
هذا النوع من البديع يسمى"الأسلوب الحكيم" فقد سألوا الرسول (ص) عن الهلال لم يبدو صغيرا ثم يزداد حتى يتكامل نوره ؟ فصرفهم إلى بيان الحكمة من الأهلة وكأنه يقول : كان الأولى بكم أن تسألوا عن حكمة خلق الأهلة لا عن سبب تزايدهم في أول الشهر وتناقصها في آخره،وهذا ما يسميه علماء البلاغة "الأسلوب الحكيم"كل ما ورد في القرآن بصيغة السؤال أجيب عنه بـــ" قل " بلا فاء إلا في طه [ فقل ينسفها ربي نسفا ] فقد وردت بالفاء ، والحكمة أن الجواب في الجميع كان بعد وقوع السؤال ، وفي طه كان قبله ، إذ تقديره إن سئلت عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا.

وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب{196}
[ وأتموا الحج والعمرة لله ] أي أدوهما تامين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى
[ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ] أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة، بمرض أو عدو، وأردتم التحلل فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة، أو بقرة، أو شاة
[ ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ] أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو
التقصير، حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم ، أو مكان الإحصار [ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ] أي فمن كان منكم معشر المحرمين مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقمل وصداع فحلق في الإحرام ، فعليه فدية وهي: إما صيام ثلاثة أيام، أو يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين، أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة [ فإذا أمنتم ] أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين [ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ] أي من اعتمر في أشهر الحج، واستمتع بما يستمتع به غير المحرم ، من الطيب والنساء وغيرها، فعليه ما تيسر من الهدي، وهو شاة يذبحها شكرا لله تعالى
[ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ] أي من لم يجد ثمن
الهدي ، فعليه صيام عشرة أيام ، ثلاثة حين يحرم بالحج ، وسبعة إذا رجع إلى وطنه
[ تلك عشرة كاملة ] أى عشرة كاملة تجزئ عن الذبح ، وثوابها كثوابه من غير نقصان [ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ] أي ذلك التمتع أو الهدي، خاص بغير أهل الحرم، أما سكان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدى.

الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب{197}
عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل [وتزودوا فإن خير الزاد التقوى].
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين{198}
 ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم{199}
 [ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ] أي لا حرج ولا إثم عليكم، في التجارة في أثناء الحج، فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية... وقد كانوا
يتأثمون من ذلك فنزلت الآية تبيح لهم الاتجار في أشهر الحج
[ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ] أي إذا دفعتم من عرفات
بعد الوقوف بها ، فاذكروا الله بالدعاء والتضرع، والتكبير والتهليل، عند المشعر
الحرام بالمزدلفة [ واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ] أي اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، واشكروه على نعمة الهداية والإيمان، فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإيمان وشرائع الدين
[ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ] أي ثم انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس، لا من المزدلفة، والخطاب لقريش حيث كانوا يترفعون على الناس أن يقفوا معهم ، وكانوا يقولون: نحن أهل الله وسكان حرمه، فلا نخرج منه، فيقفون في المزدلفة لأنها من الحرم، ثم يفيضون منها وكانوا يسمون " الحمس " فأمر الله تعالى رسوله (ص) أن يأتي عرفة، ثم يقف بها ثم يفيض منها.

فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق{200}
أي إذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها فأكثروا ذكره، وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم، وتعدون مفاخرهم بل أشد، قال المفسرون: كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل بعد قضاء المناسك، فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم، فأمروا أن يذكروا الله وحده.


واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون{203}
أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات، في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر [ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ] أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى المبارك فنفر فلا حرج عليه [ ومن تأخر فلا إثم عليه ] أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث – وهو النفر الثاني – فلا حرج عليه أيضا وهو اليوم الرابع من عيد الأضحى [ لمن اتقى ] لمن أراد أن يتقي الله ، فيأتي بالحج على الوجه الأكمل.

ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام{204}
 وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد{205}
 وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد{206}
روي أن الأخنس بن شريق أتى النبى (ص) فأظهر له الإسلام وحلف أنه يحبه، وكان منافقا حسن العلانية خبيث الباطن، ثم خرج من عند النبي (ص) فمر بزرع لقوم من المسلمين، وحمر فأحرق الزرع وقتل الحمر، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات.

ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد{207}
روي أن صهيبا الرومي لما أراد الهجرة إلى المدينة المنورة لحقه نفر من قريش
من المشركين ليردوه، فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا
معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما
في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، قالوا:
جئتنا صعلوكا لا تملك شيئا وأنت الآن ذو مال كثير!! فقال: أرأيتم إن دللتكم على مالي تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، فدلهم على ماله بمكة، فلما قدم المدينة دخل على رسول الله (ص) فقال له (ص): (ربح البيع صهيب ، ربح البيع صهيب)، وأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية.

يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين{208}
أي ادخلوا في الإسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكما وتتركوا حكما، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلا، فالإسلام كل لا يتجزأ.
كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم{213}
أي كانوا على الإيمان والفطرة المستقيمة، فاختلفوا وتنازعوا فبعث الله الأنبياء لهداية الناس، مبشرين للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم وأنزل معهم الكتب السماوية لهداية البشرية، حال كونها منزلة لمصالح الناس، في أمر الدين الذي اختلفوا فيه [ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ] أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير، المنزل لإزالة الاختلاف، إلا الذين أعطوا الكتاب، أي إنهم عكسوا الأمر حيث جعلوا ما أنزل لإزالة الاختلاف، سببا لاستحكامه ورسوخه
[ من بعد ما جاءتهم البينات ] أي من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتاب، فقد كان خلافهم عن بينة وعلم، لا عن غفلة وجهل
[ بغيا بينهم ] أي حسدا من الكافرين للمؤمنين.

ليست هناك تعليقات: