الأربعاء، 13 مايو 2009

سماحة الإسلام وعدله وتسامحه

التسامح واليسر من أبرز حقائق الإسلام وعوامل انتشاره، يقول المستشرق غوستاف لوبون: "السهولة العجيبة التي ينتشر بها القرآن في العالم شاملة للنظر، فالمسلم أينما مرَّ ترك خلفه دينه".
وقد تجسَّد شعار (لا إكراه في الدين) في مواقف كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، فكان أهمها موقفه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وقوله الشهير:
(والله لا تدعوني قريش إلى خطة توصل فيها الأرحام وتعظم فيها الحرمات إلا أعطيتهم إياها).
وكانت وصاياه للمجاهدين في سبيل الله تفيض كلماتها بالتسامح والرحمة والإنسانية:
(اخرجوا باسم الله تعالى، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلُّوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع، انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأةً، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا، إنَّ الله يحب المحسنين).
سرت هذه الروح من التسامح والرحمة في نفوس المسلمين وتجلت في سلوكهم ومواقفهم: روي أن عمراً بن العاص رضي الله عنه دفع لامرأة يهودية عجوز ثمن بيتها ليضمه إلى المسجد، إلا أنها اشتكت إلى عمر بن الخطاب فأرسل إلى عمرو بن العاص يأمره بأن يعيد لها بيتها، فأكبرت المرأة موقف عمر وتسامحه وأعلنت دخولها في الإسلام ووهبت بيتها لله وضمته لبيت الله.
ليست الإنسانية في الإسلام أمنيةً شاعرية تهفو إليها النفوس، أو فكرةً مثاليةً تتخيلها الرؤوس، أو حبراً على ورق سطرته الأقلام، ليست فكرةً للاستهلاك المحلي أو للتضليل العالمي، بل هي حقيقة دينية وركن عقدي وواقع تطبيقي وثمار يانعة، تجلت في مبدأ الإخاء الإنساني والأخوة الإيمانية (عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (البخاري 13)، وفي رواية البيهقي في شعب الإيمان (3485): "وحتى يكره لأخيه ما يكره لنفسه"). وقبل أن تسمع الدنيا عن حقوق الإنسان باثني عشر قرناً قرر الإسلام حق الحياة وحق الكرامة وحق التفكير والتدين والاعتقاد والتعبير والتعلم والتملك والأمن من الخوف. فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره.
والإسلام دين يسر ورفق فعَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلاَّ شَانَهُ » رواه مسلم 6767. وقالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله فقالوا السام عليكم ففهمتها فقلت وعليكم السام واللعنة فقال رسول الله (مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله). فقلت يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (قد قلت وعليكم) البخاري 5678.

التراحم والتعاون وقضاء حوائج المسلمين

روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة" (قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب، كتاب السنة لابن أبي عاصم 88).
تعميقاً لوحدة جماعة المؤمنين شبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبنيان وبالجسد والواحد وبالرجل الواحد، وترسيخاً للجماعة أمر أن يجتمع المسلمون على الطعام ليبارك لهم فيه، وكانت صلاة الجماعة أعظم ثواباً من صلاة الفرد، وبيَّن حقوق المسلم على المسلم، وحرَّم ظلم المسلم وخذلانه أشد التحريم كأن يقدر الرجل على نصرة أخيه وكف الظلم عنه ولا يفعل ذلك فورد عنه أنه من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة.
عندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عزمه على غزو الروم في تبوك في السنة التاسعة للهجرة وأمر المسلمين أن يستعدوا لذلك، بذل المسلمون ما في وسعهم فجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف دينار وجاء عبد الرحمن بن عوف بمئتي أوقية وجاءت نساء المهاجرين والأنصار بحليهن، وعرض رجلٌ فراشه للبيع ليشتري سيفاً يقاتل به، وجاء كثيرون يسألون الانضمام إلى الجيش فردهم لأنه لم يجد ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً.
ورأينا بعض النماذج من تعاون المسلمين عند الشدائد في معركة غزة. فكان الجهاد بالمال لمن لا يمكن له الجهاد بالنفس، وكان الأطباء المتطوعون يتسابقون لمعالجة الجرحى، وكان الصحفيون والإعلاميون يسارعون إلى فضح جرائم العدو ونقل الوقائع، والمحامون المدافعون يدعون إلى رفع الدعاوى والقضايا وإحقاق الحق، فلكلٍ في هذا المجتمع دوره ولا مجال للركون والصمت بل يجب أن يستمر هذا التعاون والتكافل فالعدوان قد توقف لكن الحرب لم تنته والاحتلال ما زال قائماً والخراب الذي خلفه يحتاج إلى عمل دؤوب. والنصرة يمكن أن تكون بالمال أو بالكلمة أو بالعمل أو بالمقاطعة لبضائع العدو وبضائع من يدعمه، واستهداف مصالحهم في شتى المجالات. فالله عز وجل لم يطالبنا بإعداد القوة المكافئة بل بإعداد القوة المتاحة وبذل وسعنا وتكفل بالنصر.
شاء الله أن يخلق مجتمعات تعطينا أمثلةً في التعاون والتكامل والاختصاص والعمل الدؤوب المنتج والتنظيم المعجز كما في مجتمع النحل ومجتمع النمل. فكل فرد له وظيفته التي تصب في مصلحة المجتمع بكامله ولا يتأخر عن أداء هذه الوظيفة أداءً صحيحاً متقناً.
قال طفلٌ صغير بعفوية وهو يزاحم بجسده النحيل ويحاول شق طريقه وسط الناس في مستشفى الشفاء في غزة: "إنَّ اغتيال هذا المجاهد لن يحبطنا ولن يكسر شوكتنا بل سيزيدنا قوة وعزيمة على مواصلة المقاومة حتى تحرير الأرض".